محمد بن جرير الطبري

202

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : الحق : التوراة الذي أنزل الله على موسى ، والباطل : الذي كتبوه بأيديهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال أبو جعفر : وفي قوله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وجهان من التأويل : أحدهما أن يكون الله جل ثناؤه نهاهم عن أن يكتموا الحق كما نهاهم أن يلبسوا الحق بالباطل . فيكون تأويل ذلك حينئذ : ولا تلبسوا الحق بالباطل ، ولا تكتموا الحق . ويكون قوله : وَتَكْتُمُوا عند ذلك مجزوما بما جزم به : " تلبسوا " عطفا عليه . والوجه الآخر منهما أن يكون النهي من الله جل ثناؤه لهم عن أن يلبسوا الحق بالباطل ، ويكون قوله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ خبرا منه عنهم بكتمانهم الحق الذي يعلمونه ، فيكون قوله : " وتكتموا " حينئذ منصوبا ، لانصرافه عن معنى قوله : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ إذ كان قوله : وَلا تَلْبِسُوا نهيا ، وقوله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ خبرا معطوفا عليه غير جائز أن يعاد عليه ما عمل في قوله : تَلْبِسُوا من الحرف الجازم ، وذلك هو المعنى الذي يسميه النحويون صرفا . ونظير ذلك في المعنى والإِعراب قول الشاعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم فنصب " تأتي " على التأويل الذي قلنا في قوله : وَتَكْتُمُوا الآية ، لأَنه لم يرد : لا تنه عن خلق ولا تأت مثله ، وإنما معناه : لا تنه عن خلق وأنت تأتي مثله . فكان الأَول نهيا والثاني خبرا ، فنصب الخبر إذ عطفه على غير شكله . فأما الوجه الأَول من هذين الوجهين اللذين ذكرنا أن الآية تحتملهما ، فهو على مذهب ابن عباس الذي : حدثنا به أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قوله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ يقول : ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون . وحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ أي ولا تكتموا الحق . وأما الوجه الثاني منهما فهو على مذهب أبي العالية ومجاهد . حدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال : كتموا بعث محمد صلى الله عليه وسلم . وحدثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، عن عيسى بن ميمون ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، نحوه . وأما تأويل الحق الذي كتموه وهم يعلمونه ، فهو ما : حدثنا به ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ يقول : لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وما جاء به ، وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم . وحدثنا أبو كريب ، قال : حدثنا عثمان بن سعيد ، قال : حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ يقول : إنكم قد علمتم أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فنهاهم عن ذلك . وحدثني محمد بن عمرو ، قال : حدثنا أبو عاصم ، قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال : يكتم أهل الكتاب محمدا ، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإِنجيل . وحدثني المثنى بن إبراهيم ، قال : حدثنا أبو حذيفة ، قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . وحدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط عن السدي : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال : الحق هو محمد صلى الله عليه وسلم . وحدثني المثنى ، قال : حدثنا آدم ، قال : حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية : وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال : كتموا بعث محمد صلى الله عليه وسلم وهم يجدونه مكتوبا عندهم . وحدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ،